المطلب الثالث :
مفهوم الحكم القضائي :
اختلف الفقهاء في تحديد مفهوم الحكم القضائي ، وانقسموا في ذلك إلى فريقين :
الفريق الأول : جعل القضاء والحكم بمعنى واحد، ولم يجعل لكل واحد منهما تعريفاً خاصاً به(١) وذلك لأن القضاء في حقيقته يدور على معنى الفصل بين المتخاصمين(٢) ، فضلاً عن أن اللغويين يطلقون الحكم على القضاء والقضاء على الحكم كما مر سابقاً.
الفريق الثاني : أفرد تعريفاً خاصاً بالحكم القضائي ، بالإضافة لتعريف القضاء نفسه ومن هذه التعريفات :
عرَّفه ابن الغرس الحنفي :" بأنه الإلزام في الظاهر على صفة مختصة بأمر ظن لزومه في الواقع شرعاً "(٣).
وعرفه القرافي :" بأنه إنشاء إطلاق ، أو إلزام في مسائل الاجتهاد المتقارب فيما يقع فيه النزاع لمصالح الدنيا"(٤).
وعرفه ابن عرفة : "بأنه جزم القاضي بحكم شرعي على وجه الأمر به"(٥).
(١) القاري، أحمد بن عبد الله (ت ١٣٥٩ هـ/١٩٤٤م)، مجلة الأحكام الشرعية، ط ١، ١م، (تحقيق: عبد الوهاب أبو سليمان / محمد إبراهيم ) ، مطبوعات تهامه ، السعودية ، ١٩٨١م، ص ٥٩٠ ، حيث نصت المادة (٢٠٠٩) القضاء والحكم هو الإلزام بالحكم الشرعي وفصل الخصومة بتبينه.
(٢) أبو البصل ، نظرية الحكم القضائي ، ص ٣٤.
(٣) انظر: شرح هذا التعريف ، ابن الغرس ، الفواكه البدرية ، ص٧.
- ومما يتجه على هذا التعريف : أنه لم يتعرض لحقيقة الحكم القضائي والتي هي في الأصل فصل الخصومة ، أبو البصل ، نظرية الحكم القضائي، ص ٣٧.
(٤) القرافي ، شهاب الدين أحمد بن إدريس ، (ت ٦٨٤هــ/١٢٨٥م)، الإحكام في تميز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام ، ط١، ١م، مطبعة الأنوار، مصر، ص٢ ، ومما يتجه على هذا التعريف أنه جعل الإطلاق في مقابل الإلزام في حين يكون الإطلاق متضمناً للإلزام ، وبالتالي يكون الاقتصار على الإلزام كافيا في التعريف، ثم إنه يتحدث عن الحكم الذي يحوز الحجية المطلقة لا مطلق الحكم ، فالحكم من حيث الماهية قد يوجد ، ولكنه يعتبر باطلاغير معتد به ، فالحكم المخالف للإجماع لا يدخل في تعريف القرافي ، أبو البصل ، نظرية الحكم القضائي ، ص ٤١.
(٥) الرصاع،أبو عبد الله محمد الأنصاري، (ت ٨٩٤هـ /١٤٨٩م)، شرح حدود ابن عرفه ، ط١، ٢م ، (تحقيق : محمد أبو الأجفان/الطاهر المعموري )، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، ١٩٩٣م، ج٢ ، ص٥٦٨، ومما يتجه على هذا التعريف : أنه وسع من نطاق الحكم بحيث يدخل فيه كل الأحكام الشرعية في حين أن=