فالشريعة تعبدية والمعقول منها قد نصَّ الله تعالى على معقوليته.
ثانياً: النظر إلى أقوال العلماء وآرائهم نظرة منصفة عادلة، وهذا نابع أساساً من نظرته إلى قائليها، فابن حزم ينظر إلى أئمة المذاهب وغيرهم من العلماء نظرة متساوية؛ لأنه لا معنى عنده للتعصب لواحد منهم دون الآخر.
ثالثاً: الحرص على تكثير المصادر التي يستقي منها، لكنّه - وكما قدّمتُ - يكتفي بذكر أصحابها في مجال الاستشهاد بآرائهم، وإيراد مخالفاتهم.
وهذه المعالم باختصار، هي أهم المعالم الأساسية لمنهج الإمام ابن حزم في مجال التأليف في العلوم الإسلامية عامّة، وفي كتابه (المحلَّى) خاصَّة، وقد تقدَّم الكلام عن بعضها، بشيء من التفصيل عند الحديث عن فقه الإمام ومذهبه.
رابعاً: منهجه في عرض المادة الفقهية للكتاب:
أمّا طريقته في عرض المسألة الواحدة في (المحلَّى)، فإنه يبدأ بقول: مسألة ثمَّ يقول: قال أبو محمد، أو قال علي، ويعني بذلك نفسه. فيبدأ غالباً بذكر فقهه فيها، ثم يستدل على ذلك بنصوص من القرآن الكريم والسنَّة النبوية بسندها إلى النبي ﷺ ومن طرقها المختلفة. بالإضافة إلى استدلاله بالإجماع إن كان ثمة إجماع، وإلاّ اقتصر على ما هو موجود من الأدلة لتلك المسألة. ثمَّ يذكر في المسألة مع فقهه: فقه الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم، إلى فقه الأئمة الثلاثة: (أبي حنيفة، ومالك، والشافعي)، وقد يذكر فقه بعض أصحابهم ممن لم يستهلك في التقليد، ولا يذكر فقهاً للإمام أحمد إلاَّ نادراً؛
(١) قلتُ: وإن كان ابن حزم قد وصِفَ بالشدّة على مخالفيه، وبقسوة عباراته وحدَّتها، إلاّ أن الحدّة مهما بلغت فليست بالضرورة علامة على التعصب والتحيز، نعم بينهما تلازم وكثيراً ما يقترنان، ولكن ليس هذا دائماً، ومما يؤكد هذا أننا قد وجدنا لحدّته وعنفه مع المخالفين تفسيراً غير تفسيرها بالتحيز والتعصب. ينظر في هذه التفسيرات في: ص (٧٢) من هذا البحث.
(٢) ينظر: ص (٤٠ - ٥٣) من هذا البحث.