فهنا يشير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أمرين مهمين:
أولاً: أن القياس لا يتأتى إلاّ عندما يكون هناك شبه بين الأصل والفرع، ولا شك أن ذلك الشبه - الذي يبرر القياس - هو ما يمثَّل العلة الجامعة الصحيحة بين الأصل والفرع كما يفهم ذلك من قوله: ((اعرف الأمثال والأشباه)). وبعد ذلك نجده يقول: ((ثم قس الأمور عند ذلك))، فهذا الترتيب يدل على عِلِيَة معرفة الأشباه للقياس.
وثانياً: ((فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى)).
فكأنه يرمز هنا إلى نوع آخر من الشبه، وهو: أن يتردد الفرع بين أصلين، فينظر إلى ما كان منهما أكثر شبهاً بالفرع فيلحق به، وهذا ما يسمى قياس الأشباه عند الأصوليين.
ويَسْنِد ما قلنا شرح المحققين لعبارة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كما يظهر من النصين المذكورين فيما يلي:
قال العلّامة الجَصّاص الرازي (٣٧٠هـ): ((وقوله: ثم اعرف الأمثال والأشباه ... هذا لا يكون إلَّ بالنظر والاستدلال، وكل استدلال فيه قياس))(١).
ويقول العلّامة نجم الدين النَّسَفي(٢) (٥٣٧هـ) مبيناً قوله - رضي الله عنه -: ((أي إذا وقعت واقعة لا تعرف جوابها فرُدَّها إلى أشباهها من الحوادث
= وفي رواية ساقها وكيع بن حيان في أخبار القضاة: ٢٨٤/١، وردت العبارة بلفظ: والأمثال ... إلخ.
(١) كتاب أدب القاضي للخصّاف بشرح الجصّاص: ص ١٤.
(٢) هو عمر بن محمد بن أحمد النّسَفي، السمرقندي، الملقب بنجم الدين، المكنى بأبي حفص، ولد ببلدة (نَسَف) سنة ٤٦١ هـ، وكان فقيهاً، عارفاً بالمذهب والأدب، صنف في كل نوع من العلم في التفسير والحديث والفقه. ومن مصنفاته المشهورة: نظم الجامع الصغير للإِمام محمد، وطَلِبَةُ الطَّلَبة في اللغة على ألفاظ كتب فقه الحنفية. انظر: قاسم بن قطلوبغا: تاج التراجم في طبقات الحنفية، (ط. بغداد، مطبعة العاني، ١٩٦٢م): ص ٤٧، رقم ١٤٠؛ والفوائد البهيّة: ص ١٤٩ - ١٥٠.