بدء طلبه العلم :
بدأ شيخ الإسلام رحمه الله تحصيل العلم في سنّ مبكر، ساعده على ذلك - كما تقدم - البيئة العلمية التي عاش فيها، وإذا علمنا أن أول سماع له كان سنة ٦٦٧ هـ أي وهو ابن ست سنين حيث سمع جزء ابن عرفة على الشيخ المسند ابن عبد الدائم. تبين لنا كيف انبرى الشيخ لطلب العلم منذ نعومة أظفاره وامتزاج ذلك بلحمه ودمه، فقد واصل ليله بنهاره في الأخذ والسماع فسمع ما لا يحصى من الكتب على أكثر من شيخ من ذوي الروايات الصحيحة العالية، أما دواوين الإسلام الكبار كمسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري ومسلم، والسنن الأربعة، فإنه سمع كل واحد منها عدة مرات. وأول كتاب حفظه "الجمع بين الصحيحين" للإمام الحميدي، وكان الله قد خصه بسرعة الحفظ وبطء النسيان، ومن أهم ما يميز مرحلة الطلب عنده تنوعه في التعلم حيث درس كثيراً من الفنون وعلوم الآلة ولم يقتصر على العلوم الشرعية فحسب فدرس العربية والحساب والرياضيات وعلم الهيئة والفلسفة والمنطق والتاريخ والسير والملل والنحل. ومع هذا كان يعكف على قراءة الكتب وحل مشاكلها، وقل كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، واستمر في التحصيل والسماع، والقراءة وكتب بخطه جملة من الأجزاء.
(١) تأتي ترجمته إن شاء الله.
(٢) محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدي الحميدي، أبو عبد الله، الفقيه الظاهري صاحب ابن حزم وتلميذه، كان شيخ المحدثين في وقته، من مصنفاته: "الجمع بين الصحيحين"، "جمل تاريخ الإسلام"، "ذم التميمة" توفي سنة ٤٨٨ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء، ٤١٢٠/١٩ نفح الطيب، ١١٢/٢-١١٥؛ النجوم الزاهرة، ١٥٦/٥.