الوظائف التي قُلدّها:
استوتْ هذه الإِمامة والتفنّن والتحقيق والفكر الحرّ المتزن، استوت هذه المواهب على سوقها، واجتمع في ثناياها فضل الله وتوفيقه، فغدا الإِمام مقصداً للعلم وأهله وطلابه، وقد كان همّه ووُكْده، بل حياته كلها وقفاً على العلم والتبحّر فيه، وحبّ الاستفادة والإفادة.
فلذلك كانت وظائفه ومناصبه ملائمةً لشخصيته، مقصورةً على التدريس وإفادة أهل العلم وطلابه، قال تلميذه النابغة الإِمام ابن راشدٍ القَفْصي: كان معتكفاً على التعليم على الدوام، صيفاً وخريفاً، وربيعاً وشتاءً (١).
وقد عُقِد للإِمام منصب التدريس في أجلّ وأكبر مدارس مصر وجوامعها، من ذلك:
١- المدرسة القَمْحية(٢): وهي أوّل مدرسة أنشئت للمالكية دون غيرهم، أنشأها السلطان الصالح المجاهد الموفّق صلاح الدين الأيوبي سنة (٥٦٦هـ)، ووصفتْ بأنها أجمل مدرسةٍ للفقهاء المالكية، وقد تخرج فيها كبار العلماء، وقد سبق الإِمامَ للتدريس فيها جماعةٌ من أكابر العلماء الصلحاء، منهم: الإِمام عبد الله بن نجم بن شاس (ت ٦١٦ هـ).
(١) نقله عن كتابه الفائق الأستاذ الوكيلي في كتابه ٢٣٤/١.
(٢) وقف عليها ضيعة بالفيوم، كانت تغلّ قمحاً يفرّق على مدرسيها، فهذه النسبة إلى القمح، ومكانها اليوم أرض فضاء في الجهة الشرقية من جامع عمرو، بمصر القديمة، انظر في مصادر ذلك وأخبار المدرسة: عبد الله صلاح ص ٧٦، د. عياضة السلمي ص ٤٩ - ٥٠.