Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
وسمعت شيخنا - رحمه الله - يقول: (في صحة هذا اللفظ نظر).
قلت: لأنَّ المعروف المحفوظ في ذلك إنما هو تأثير سبق الماء في الشبه، وهو الذي ذكره البخاري من حديث أنس أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة فأتاه فسأله أشياء قال النبي ﷺ: ((وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد)).
فهذا السؤال الذي سأل عنه عبد الله بن سلام والجواب الذي أجابه به النبي ﷺ هو نظير السؤال الذي سأل عنه الحبر والجواب واحد، ولا سيما إن كانت القصة واحدة والحبر هو عبد الله بن سلام، فإنه سأله وهو على دين اليهود فأُنسي اسمه وثوبان قال: جاء حبر من اليهود، وإن كانتا قصتين والسؤال واحد فلا بد أن يكون الجواب كذلك، وهذا يدل على أنهم سألوا عن الشبه، ولهذا وقع الجواب به وقامت به الحجة وزالت به الشبهة.
وأما الإذكار والإيناث فليس بسبب طبيعي، وإنما سببه الفاعل المختار الذي يأمر الملك به مع تقدير الشقاوة والسعادة والرزق والأجل، ولذلك جمع بين هذه الأربع في الحديث (فيقول الملك يا رب ذكر يا رب أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك) وقد رد سبحانه ذلك إلى محض مشيئته في قوله تعالى: ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ﴾ [الشورى: ٤٩ -٥٠].
والتعليق بالمشيئة وإن كان لا ينافي ثبوت السبب بذلك إذا علم كون الشيء سبباً دل على سببيته بالعقل وبالنص وقد قال عليه الصلاة والسلام في حديث أم سليم (ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا يكون الشبه)، فجعل للشبه سببين علو الماء وسبقه.
وبالجملة فعامة الأحاديث إنما هي تأثير سبق الماء وعلوه في الشبه، وإنما جاء تأثير ذلك في الإذكار والإيناث في حديث ثوبان وحده، وهو فرد بإسناده فيحتمل أنه اشتبه على الراوي فيه الشبه بالإذكار والإيناث، وإن كان قد قاله رسول الله ﷺ فهو الحق الذي لا شك فيه ولا ينافي سائر الأحاديث فإن الشبه من السبق والإذكار والإيناث من العلو، وبينهما فرق وتعليقه على المشيئة لا ينافي تعليقه على السبب كما أن الشقاوة والسعادة والرزق معلقات بالمشيئة وحاصلة بالسبب والله أعلم.
[الطرق الحكمية ٣٢٠/١]
52