92

Madhhab al-Imām al-Shāfiʿī fī al-ʿibādāt wa-adillatihā

مذهب الإمام الشافعي في العبادات وأدلتها

Publisher

دار السلام

Edition

الثالثة

Publication Year

1424 AH

Publisher Location

القاهرة

وأما إذا كان حظه الدنيوي كل قصده ، فهو في عقاب أليم ، لما أخرجه مسلم والترمذي - واللفظ له - والنسائي عن شْفَي الأصبحي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: ( أوّلُ من يُدعى به يوم القيامة ، رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل الله ، ورجلٌ كثير المال . فيقول تعالى للقاريء: ألم أعلِّمْك ما أنزلتُ على رسولي ؟ فيقول : بلى يارب ، قال : فما عملتَ فيا علمتَ ؟ يقول كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله تعالى له : كذبت ، وتقول له الملائكة : كذبت ، ويقول الله تعالى له : بل أردتَ أن يقال : فلان قاريء ، وقد قيل ذلك . ويؤتى بصاحب المال ، فيقول الله تعالى: ألم أوسِّعْ عليك حتى لم أدَعْكَ تحتاج إلى أحدٍ ؟ فيقول : بلى يارب ، فيقولُ: فماذا عملتَ فيا آتيتك ؟ فيقولُ : كنتُ أصلُ الرحم وأتصدق ، - فيكذبه الله وملائكته كالأول - ويقول له تعالى: بل أردتَ أن يقال : فلانٌ جواد ، وقد قيل ذلك . ثم يؤتى بالذي قُتل في سبيل الله ، فيقول له الله تعالى : فماذا قُتِلت ؟ فيقول : أمرتُ بالجهاد في سبيلك فقاتلتُ حتى قُتلتُ . - فيكذَّب كالسابقين - ويقول الله تعالى له : بل أردتَ أن يقال : فلانّ جريء ، وقد قيل ذلك . ثم ضرب رسول الله على رُكبة أبي هريرة ، فقال : ياأبا هريرة أولئك الثلاثة أولُ خلقِ الله تُسعر بهم النار يوم القيامة. قال شُفَيُّ: فأخبرتُ معاوية بهذا الحديث عن أبي هريرة ، فقال: قد فُعِل بهؤلاء هذا ، فكيف بمن بقي من الناس ؟ ثم بكى معاوية بكاء شديدًا حتى ظُنَّ أنه هالِك، ثم أفاق ومسح عن وجهه وقال : صدق الله ورسوله ﴿مَن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نُوفِّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يُبخَسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ماصنعوا فيها وباطلٌ ما كانوا يَعْمَلون ﴾ سورة هود آية ١٥، ١٦ .

فكان قوله : ( ومن كانتْ هِجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يَنكِحُها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) من إصابة الدنيا بنحو تجارة ، أو نكاح امرأة ، وهي أم قيس التي هاجر من يريد الزواج بها من مكة إلى المدينة في زمن فرضية الهجرة ، فعرّض به النبي عليه السلام، حيث لم تكن هجرته خالصة لله ولرسوله ، وإن سقط الفرض بها ، فليس له ثواب المهاجرين المخلص ، وإن كان نحو التجارة مباحًا والزواج مندوبًا ، لأن فيها حظًا دنيويًا . ولكن ليس مهاجر أم قيس : كالثلاثة التى أول ما تسعر فيهم النار ، لأن

90