96

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

علما بما في الكتاب والسنة من بيان هذه الأمور، بل علموا بعضاً وجهلوا بعضاً فإن هؤلاء المجبرة هم في الحقيقة لا يثبتون لله عدلاً ولا حكمة ولا رحمة ولا صدقاً فأولئك قصدوا إثبات هذه الأمور، أما العدل فعندهم كل ممكن فهو عدل، والظلم عندهم هو الممتنع، فلا يكون ثم عدل يقصد فعله وظلم يقصد تركه، ولهذا يجوزون عليه فعل كل شيء وإن كان قبيحاً، ويقولون القبيح هو ما نهى عنه وهو لا ناهى له، ويجوزون الأمر بكل شيء وإن كان منكراً وشركاً، والنهي عن كل شيء وإن كان توحيداً ومعروفاً فلا ضابط عندهم للفعل، فلهذا ألزمهم جواز إظهار المعجزات على يد الكاذب، ولم يكن لهم عن ذلك جواب صحيح، ولم يذكروا فرقاً بين المعجزات وغيرها ولا ما به يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا نقضوا أصلهم، وقد قال الله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط وعندهم هذا لا فائدة فيه، فليس في الممكن قسط وجور -حتى يكون قائماً بهذا دون هذا، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.

وكذلك الحكمة عندهم لا تفعل لحكمة، وقد فسروا الحكمة إما بالعلم وإما بالقدر وإما بالإرادة، ومعلوم أن القادر قد يكون حكيماً ويكون غير حكيم، كذلك المريد قد تكون إرادته حكمة، وقد تكون سفهاً، والعلم يطابق المعلوم سواء كان حكمة أو سفهاً، فليس عندهم في نفس الأمر أن الله حكيم. وكذلك الرحمة ما عندهم في نفس الأمر إلا إرادة ترجيح أحد المثلين بلا مرجح، نسبتها إلى نفع العباد وضررهم سواء، فليس عندهم في نفس الأمر رحمة ولا محبة أيضاً، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين تناقضهم في الصفات والأفعال حيث أثبتوا الإرادة مع نفي المحبة والرضا ومع نفي

96