64

Munāẓarāt Ibn Taymiyya maʿa fuqahāʾ ʿaṣrih

مناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره

Publisher

دار الكتاب العملي

Publication Year

1405 AH

وهو أيضاً منفي بالنص والإجماع القديم، مع دلالة العقل على نفيه، ونفي التكييف إذ كنه الباري غير معلوم للبشر، وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابي الذي نقل أنه مذهب السلف، وهو إجراء آيات الصفات، وأحاديث الصفات على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها؛ إذ الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذي فيه حذوه، ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات: إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات: إثبات وجود لا إثبات تكييف.

فقال أحد كبار المخالفين: فحينئذ يجوز أن يقال: هو جسم لا كالأجسام. فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين: إنما قيل أنه يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ وليس في الكتاب والسُّنة أن الله جسم، حتى يلزم هذا السؤال.

وأخذ بعض القضاة الحاضرين، والمعروفين بالديانة، يريد إظهار أن ينفي عنا ما يقول وينسبه البعض إلينا، فجعل يزيد في المبالغة في نفي التشبيه، والتجسيم، فقلت: ذكرت فيها في غير موضع من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

ثم قلت: وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح، التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإِيمان بها كذلك، إلى أن قلت: إلى أمثال هذه الأحاديث الصحاح، التي يخبر فيها رسول الله ﷺ، بما يخبر به، فإن الفرقة الناجية، أهل السُّنة والجماعة، يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم.

فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة.

ولما رأى هذا الحاكم العدل: ممالاتهم وتعصبهم، ورأى قلة العارف الناصر، وخافهم قال: أنت صنفت اعتقاد الإِمام أحمد، فتقول هذا اعتقاد

64