69

Munāẓarāt Ibn Taymiyya maʿa fuqahāʾ ʿaṣrih

مناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره

Publisher

دار الكتاب العملي

Publication Year

1405 AH

وقد جمع غير واحد ما في ذلك من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، كالحافظ أبي الفضل بن ناصر، والحافظ أبي عبد الله المقدسي، وأما معناه، فإن قولهم: منه بدأ أي هو المتكلم به، وهو الذي أنزله من لدنه، ليس هو كما تقول الجهمية، أنه خلق في الهوى أو غيره، أو بدأ من عند غيره.

وأما إليه يعود، فإنه يسري به في آخر الزمان، من المصاحف والصدور، فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف، ووافق على ذلك غالب الحاضرين، وسكت المنازعون.

وخاطبت بعضهم في غير هذا المجلس بأن أريته العقيدة التي جمعها الإمام القادري، التي فيها أن القرآن كلام الله، خرج منه فتوقف في هذا اللفظ، فقلت: هكذا قال النبي ﷺ: ((ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه)) يعني القرآن، وقال خباب بن الأرت: يا هنتاه!! تقرب إلى الله بما استطعت، فلن يتقرب إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه.

وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه - لما قرأ قرآن مسيلمة الكذاب - إن هذا الكلام لم يخرج من إل - يعني رب -.

وجاء فيها: أن من الإيمان به: - الإيمان بأن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن - الذي أنزله الله على محمد ﷺ - هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة، بل إذا قرأه الناس، أو كتبوه في المصاحف، لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدأً، لا إلى من قاله مبلَّغاً مؤدياً، فتمعض بعضهم من اثبات كونه كلام الله حقيقة، بعد تسليمه أن الله تعالى تكلم به حقيقة.

ثم إنه سلم ذلك لما بين له أن المجاز يصح نفيه، وهذا لا يصح نفيه، ولما بين له أن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم وشعر الشعراء المضاف إليهم هو كلامهم حقيقة، فلا يكون نسبة القرآن إلى الله بأقل من ذلك. فوافق الجماعة كلهم على

69