Munāẓarāt Ibn Taymiyya maʿa fuqahāʾ ʿaṣrih
مناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره
Publisher
دار الكتاب العملي
Publication Year
1405 AH
عامة قد منيت بتخلف حضاري رهيب واضطربت أمورها اضطراباً عنيفاً، ثم إن الغزو التتاري والصليبي من جهة أخرى أنهك قواها وفَتَّ في ساعدها، وازدادت الأباطيل والخرافات لتسلية الناس والترفيه عنهم والتسرية عما نزل بهم من البلاء.
وعظمة هذا الرجل تأتي من نزعته إلى الإصلاح وصراعه المرير من أجل مبادئه وأفكاره، وتجشم العنت والمكابدة لقاء تأدية رسالته، لقد حمل عن الناس همومهم وتحنن لهم وحدب عليهم وأشفق على ما هم فيه وعليه من ترهات وأباطيل وزيف وفساد في العقيدة. أراد إصلاحهم فنفروا وعمد إلى تنظيفهم فاجتمعوا على مكيدته والنيل منه، فكان كالعلم الراسخ لا يتزعزع ولا يتضعضع لأنه كان يستمد من الله العون والتوفيق.
كان يشغل بال الناس جميعاً، من ثم كان لا بد أن يشغل بال السلاطين والحكام في كل الأمصار، فإن في الضمائر شعوراً جارفاً إزاره كثرة تتحزب عليه، وقلة تتحزب له، فئة تظاهر عليه وثلة تظهر معه.
وإن أخطر الناس في سجل التاريخ هو ذلك الذي تقبل عليه الدنيا يوجهها فيلوي هو عنها وجهه، وهو هذا الذي أجفلت إليه المراتب مهرولة فأشاح بوجهه عنها وصدف عن زخرفها لأنه أدرك ببصيرته أنها متاع خلوب زائل زائف لا خير فيه وإنما الخير كل الخير هو في طريق الحق وجادة الاستقامة. بهذه السجايا وتلك الخصال السمحة كان الرجل حرياً بأن يخيف أعداءه لأنه لم يخف أحداً من المخلوقين، ولأنها قاعدة ذائعة شائعة وهي أن العظيم المغوار إذا حيل بينه وبين مراده فإن الزلازل والبراكين والثورات لا تنفك هادرة وإن جام الغضب لا يتوقف وأن أبواب جهنم لا توصد مصاريعها. مهما نكصوا عنه وتنصلوا من نصرته فلن يتقهقر ولا يتحول عن وجهته التي انتوى خوض الغمار إليها، هذا الطراز النادر فريد ليس على غراره مثيل أو نظير، وكثير من لداته وأترابه ونظرائه جذبتهم شهوة الملك والسلطان وجرفهم تيار الأماني الخادعة البراقة وركبوا مطايا الملذات الجموح التي تنزو إلى رغائبهم إلى حيث لا إرادة ولا
89