على ذلك أكثر من تأكيده على تحقيق المأمورات(١)، وفي هذا المعنى قال ﷺ: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم))(٢).
وأجيز ترك الواجب دفعاً للمشقة، ولم يتسامح في الإقدام على المنهيات خصوصاً الكبائر(٣).
ولكون المفاسد أكثر سرياناً وتوسعاً، فمن الحكمة والحزم القضاء عليها في مهدها، ولو ترتب على ذلك حرمان من منافع أو تأخير لها(٤).
وعلى ذلك إذا أراد شخص أن يقوم بعمل، يحقق له نفعاً ولكنه في الوقت نفسه يحدث ضرراً مساوياً لذلك النفع أو أكبر منه يلحق بالآخرين فيجب عليه أن يكف عنه درءاً للمفسدة التي ستحدث:
ومن ذلك منع الرجل من أن يتصرف في ملكه تصرفاً يعود بالضرر على غيره، كأن يحفر في أرضه موضعاً يؤدي إلى سقوط بناء جيرانه، أو أن يفتح كوّة تطل على مقر نسائه، أو أن يتخذ معصرة أو فرناً أو مدبغة أو ما شاكل ذلك مما يؤذي جيرانه بالرائحة والدخان والقاذورات.
ويدخل تحت هذه القاعدة كل ما يطلق عليه في الوقت الحاضر نظرية التعسف في استعمال الحق.
أما إذا كانت المصلحة تغلب على المفسدة وتترجح عليها جاز إيقاع ذلك العمل، ومن ذلك: الكذب مفسدة محرمة، وهو متى تضمن جلب مصلحة تربو عليه جاز، كالكذب للإصلاح بين الناس، وعلى الزوجة لإصلاحها.
قال السيوطي: وهذا النوع راجع إلى ارتكاب أخف المفسدتين في الحقيقة(٥).
(١) الأشباه للسيوطي: ٨٧، ولابن نجيم: ٩٠.
(٢) حديث: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ... إلخ)) رواه مسلم في الفضائل عن أبي هريرة (صحيح مسلم: ١٨٣٠/٤ - ١٨٣١ رقم ١٣٣٧) وابن ماجة عنه أيضاً في المقدمة من سننه (سنن الترمذي: ٣/١ رقم: ١، ٢) والإمام أحمد عنه أيضاً (مسند أحمد: ٢٤٧/٢، ٢٥٨).
(٣) الأشباه للسيوطي: ٨٧، ولابن نجيم: ٩٠.
(٤) المدخل الفقهي العام: ٦٥٩/١.
(٥) الأشباه والنظائر: ٨٨ وتجد العبارة نفسها عند ابن نجيم: ٩١، وشرحه غمز عيون البصائر: ١٢٦، وانظر نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي: ٤١٥.