المطلب الثاني :
حجيّة القواعد الفقهية :
تبين فيما سبق ، مصادر القواعد الفقهية ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يمكن الاعتماد على القواعد الفقهية كدليل شرعي مستقل ؟ أم أن القاعدة الفقهية لا ترتقي لأن تصبح دليلاً شرعياً ؟ بل يكتفى بالاستئناس بها ، في الاستدلال على الأحكام الشرعية في الفتيا والقضاء ؟
للإجابة عن هذه الأسئلة فإن القاعدة الفقهية التي قد تكون نصاً من كتاب أو سنة ، فإن مثل هذه القواعد تعتبر دليلاً شرعياً يحتج بها ، وهذا أمر يتفق عليه الفقهاء ؛ لأن حجية القاعدة جاءت من الدليل الشرعي الذي لا يستطيع أحد أن ينكر حجيته ، فمثلا : قاعدة "الضرر يزال " ، يشهد لها حديث النبي ﷺ " لا ضرر ولا ضرار" ، وهكذا الأمر في سائر القواعد التي لها أصل من كتاب أو سنة ، وما سوى ذلك فإن الفقهاء اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال :
القول الأول : يرى أن القاعدة الفقهية ، لا ترتقي إلى مستوى الدليل الشرعي المستقل والمعتبر ، فهي لا تعدو كونها شواهد للاستئناس وتنبيه القرائح ، لا معالم للاستدلال وبناء الأحكام على وفق مضامينها(١) ، وبه قال الجويني وابن نجيم وابن دقيق العيد(٢).
(١) الكيلاني ، عبد الرحمن إبراهيم، (١٩٩٩م)، حجية القاعدة الفقهية، مجلة مؤته ، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية ، جامعة مؤته ، العدد الأول ،ص ٨٣، الباحسين ، القواعد الفقهية ص ٢٦٥.
(٢) ابن دقيق العيد هو : الإمام الفقيه الحافظ المحدث شيخ الإسلام أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري ولد في شعبان سنة (٦٢٥هـ) ، وكان من أذكياء زمانه ، واسع العلم ، ساكناً وقوراً ، وصاحب تصانيف منها : شرح العمدة،الإمام في الأحكام،توفي سنة (٧٠٢هـ)، السيوطي، أبو الفضل عبد الرحمن بن أبى بكر، (ت ٩١١هـ / ١٥٠٥م)، طبقات الحفاظ، ط ١، ١م، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣ هـ،ص ٥١٦.
- أما الجويني فيفهم هذا من قوله : " وأنا الآن اضرب من قاعدة الشرع مثلين يقضي الفَطِنُ العَجَبَ منهما وغرضي بإيرادهما تنبيه القرائح لدرك المسلك الذي مهدته في الزمان الخالي ، ولست أقصد الاستدلال بهما ، فإن الزمان إذا فُرض خالياً عن التفاريع والتفاصيل لم يستند أهل الزمان إلا إلى مقطوع به٠٠٠٠"، الجويني، عبد الملك بن عبد الله، (ت ٤٧٨هـ / ١٠٨٧م )، غياث الأمم في التياث الظلم ط٢ ١م، دار الكتب العلمية، بيروت، ٢٠٠٣م، ص٢٢٩.
- أما ابن نجيم فيفهم هذا من قوله : إنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط لأنها ليست كلية بل أغلبية " ، الحموي ، غمز عيون البصائر، ج١، ص ٣٧١.
- أما ابن دقيق العيد فيفهم هذا من رده على ابن بشر المالكي لاستنباطه أحكام الفروع من قواعد =