المطلب الرابع :
المحكوم فيه :
المحكوم فيه هو جميع الحقوق ، وقد اتفق الفقهاء على أن القاضي يحكم في كل حق من الحقوق سواء كان حقاً لله تعالى أم حقاً للآدميين ، وأنه نائب عن الإمام الأعظم في هذا المعنى(١)، ولذا يقول القاضي أبو الأصبغ بن سهل(٢): "إعلم أن خطة القضاء من أعظم الخطط قدراً وأجلها خطراً ، وعلى القاضي مدار الأحكام وإليه النظر في جميع وجوه القضاء من القليل والكثير بلا تحديد .. ، ويختص القاضي بوجوه لا يشاركه فيها غيره من الحكام وذلك مثل الوصايا والأحباس"(٣).
وقال الإمام السمناني(٤) : "فأما الكلام في المقضي فيه فيشتمل على أبواب كثيرة ومعان ، جمة فيها أقوال وفيها أفعال"(٥).
من خلال ما سبق يتبين لنا أن القاضي في الشريعة الإسلامية يتمتع بصلاحية الحكم في كل المنازعات التي ترد إليه من الخصوم بدون استثناء ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يجوز تخصيص القضاء ببعض الحقوق دون غيرها ؟
وقد اتفق الفقهاء على أن القضاء يقبل التخصيص بالزمان وبالمكان وببعض الخصومات وباستثناء بعض الأشخاص ، والعمل بقول مجتهد في المسائل الخلافية(٦)، وذلك لأن القاضي
(١) ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ج٢، ص ٨٢٣ .
(٢) القاضي أبو الإصبع هو: عيسى بن سهل الأسدي المالكي، ولي قضاء غرناطة ، وصنف في الأحكام كتاباً حسناً ، توفي سنة (٤٨٦هـ)، وله من العمر (٧٣ سنة)، الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج١٩، ص٢٦ .
(٣) ابن فرحون ، تبصرة الحكام، ج١، ص٧٣، عبد الرفيع ، معين الحكام، ج٢، ص ٦١٠ .
- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت ، (١٩٩٥م)، الموسوعة الفقهية الكويتية ، ط١ ٤٠م ، مطابع الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع ، الكويت ، ج٣٣، ص٣٢٧ .
(٤) السمناني هو أبو القاسم علي بن محمد الرحبي ، ولد برحبة ، وورد على قاضي القضاة الدامغاني ، فقرأ عليه مذهب أبي حنيفة ، توفي سنة (٤٩٩هـ)، من مؤلفاته: روضة القضاة ، أبو الوفاء القرشي ، طبقات الحنفية ، ص ٣٧٦ .
(٥) السمناني ، روضة القضاة ، ج١ ، ص ٤٧ .
(٦) علي حيدر ، درر الحكام،ج٤، ص٥٩٨ ، هذا وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه فإن فعل بطل الشرط ، البهوتي ، كشاف القناع ، ج٦ ، ص ٣٧١ ، ابن أبي الدم ، أدب القضاء ص٩٦ ، ويمكن أن يحمل هذا القول على الحالة التي يكون فيها القاضي مجتهداً فعندها يجب عليه أن يقضي بما أداه إليه اجتهاده ، أما إذا كان القاضي غير مجتهد - كما هو الحال في زماننا - فيجوز تقيده بالالتزام بقول عالم من العلماء ، والله أعلم .