وسأله إنسان ذات يوم كتاباً ينتفع به فقال : خذ ما تختار فرأى ذلك الرجل بين كتب الشيخ مصحفاً قد اشتري بدراهم كثيرة فأخذه ومضى ، فلام بعض الجماعة الشيخ في ذلك ، فقال : أكان يحسن بي أن أمنعه بعدما سأله ، دعه فلينتفع به (١).
قلت: وكان كرمه هذا وجوده رحمه حتى في العلم ، " فكان إذا سئل عن مسألة من العلم ذكر مذاهب الناس فيها ، ومأخذ الخلاف فيها وترجيح القول الراجح ، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته ، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته ، وكان خصومه يعيبونه بذلك ويقولون : سأله السائل عن طريق مصر - مثلاً فيذكر له معها طريق مكة والمدينة وخراسان والعراق والهند ، وأي حاجة بالسائل إلى ذلك ؟ ولعمر الله ليس ذلك بعيب ، وإنما العيب : الجهل والكبر . وهذا موضع المثل المشهور :
لقّبوه بحامض وهو خلّ مثل من لم يصل إلى العنقود(٢)
٠٠٠
تواضعه :
كان - رحمه الله - يتواضع لكل أحد الكبير والصغير ، والجليل والحقير ، والغني والفقير ، وكان يدني الفقير الصالح ويكرمه ويباسطه بالحديث زيادة على مثله من الأغنياء ، حتى أنه ربما خدمه بنفسه ، وأعانه بحمل حاجته ، جبراً لقلبه .
" وكان لا يسأم ممن يستفتيه ، بل يقبل عليه ببشاشة وجه ولين عريكة
(١) انظر : الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية ، مرعي الكرمي ، ص ٨٧ .
(٢) مدارج السالكين ، ابن القيم ، ٢٩٤/٢-٢٩٥ بتصرف .