ويقف معه حتى يكون هو الذي يفارقه، ولا يجبهه ولا يحرجه ولا ينفرّه بكلام يوحشه، بل يجيبه ويفهمه الخطأ من الصواب، بلطف وانبساط، وكان يلزم التواضع - في حضوره مع الناس ومغيبه عنهم - في قيامه وقعوده ومشيه، ومجلسه ومجلس غيره (١). وهذا أحد أصحابه يروي لنا خبر الشيخ في التواضع، قال البزار: (ولقد بالغ معي في حال إقامتي بحضرته في التواضع والإكرام حتى إنه لا يذكرني باسمي، بل يلقبني بأحسن الألقاب... وأظهر لي من حسن الأخلاق والمبالغة في التواضع، بحيث أنه كان إذا خرجنا من منزله بقصد القراءة يحمل هو بنفسه النسخة، ولا يدع أحداً منا يحملها عنه. وكنت أعتذر إليه من ذلك خوفاً من سوء الأدب، فيقول: لو حملته على رأسي لكان ينبغي. ألا أحمل ما فيه كلام رسول الله ﷺ؟. وكان يجلس تحت الكرسي ويدع صدر المجلس، حتى إني لأستحي من مجلسه هناك، وأعجب من شدة تواضعه... وكان هذا حاله في التواضع والتنازل والإكرام لكل من يرد عليه، أو يصحبه، أو يلقاه. حتى أن كل من لقيه يحكي عنه من المبالغة في التواضع نحواً مما حكيته وأكثر من ذلك، فسبحان من وفقه وأعطاه، وأجراه على خلال الخير وحباه) (١).
٠٠٠
شجاعته وجهاده
إن المرء ليقضي منه العجب حين ينظر إلى هذا الجانب من شخصية الشيخ - رحمه الله - كيف كانت قوة قلبه؟ وثبات جأشه؟ وعمق يقينه؟ وجسارة نفسه؟.
(١) انظر: الأعلام العلية، البزار، ٥٠ - ٥١.
(٢) انظر: الأعلام العلية، البزار، ٥١ - ٥٢.