وظلموا منهم في حل من جهتي. وأما ما يتعلق بحقوق الله: فإن تابوا تاب الله عليهم، وإلا فحكم الله نافذ فيهم، فلو كان الرجل مشكوراً على سوء عمله، لكنت أشكر كل من كان سبباً في هذه القضية لما يترتب عليه من خير الدنيا والآخرة، لكن الله هو المشكور على حسن نعمه وآلائه وأياديه التي لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له(١).
وأكبر من هذا وأعظم موقفه من خصومه من علماء مصر الذين أمروا بسجنه وسعوا في قتله، فإنه لما عاد الملك الناصر(٢) إلى القاهرة واسترد حكمه كان أول شيء فعله أن طلب شيخ الإسلام من الإسكندرية فلما قدم عليه أكرم وفادته واستقبله أحسن استقبال ثم أخذه إلى طرف المجلس وتحدث معه ساعة.
قال ابن كثير: (وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضاً، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحداً منهم بسوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا
رسائل من السجن، محمد العبدة، ص ٢٦.
هو محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي، أبو الفتح، من كبار ملوك الدولة القلاوونية، ولي سلطة مصر والشام سنة ٦٩٣ هـ، وهو صبي، وخلع منها لحداثته، ثم عاد إلى عرشه سنة ٧٠٧ هـ، وتوفي سنة ٧٤١ هـ، انظر ترجمته في: فوات الوفيات ٢٦٣/٢؛ النجوم الزاهرة، ٤١/٨؛ الدرر الكامنة، ٢٦١/٤.