ويثني عليه، ويصلي على رسوله ﷺ، على صفة مستحسنة مستعذبة لم أسمعها من غيره، ثم يشرع، فيفتح الله عليه إيراد علوم وغوامض ولطائف ودقائق وفنون ونقول واستدلالات بآيات وأحاديث، وأقوال العلماء، ونصر بعضها وتبيين صحته، أو تزييف بعضها، وإيضاح حجته، واستشهاد بأشعار العرب وربما ذكر اسم ناظمها. وهو مع ذلك يجري كما يجري السيل، ويفيض كما يفيض البحر، ويصير منذ أن يتكلم إلى أن يفرغ، كالغائب عن الحاضرين، مغمضاً عينيه، وذلك كله مع عدم فكر فيه أو رويّة من غير تعجرف ولا توقف ولا لحن، بل فيض إلهي، حتى يبهر كل سامع وناظر... وكان إذا فرغ من درسه يفتح عينيه، ويقبل على الناس بوجه طلق بشيش وخلق دمث، كأنه قد لقيهم حينئذ. وربما اعتذر إلى بعضهم من التقصير في المقال مع ذلك الحال. ولقد كان درسه الذي يورده حينئذ قدر عدة كراريس. وهذا الذي ذكرته من أحوال درسه، أمر مشهور يوافقني عليه كل حاضر بها وهم بحمد الله خلق كثير لم يحصر عددهم؛ علماء ورؤساء، وفضلاء، من القرّاء، والمحدّثين، والفقهاء، والأدباء وغيرهم من عوام المسلمين(١).
ب) الإفتاء:
وكان رحمه الله قد أخذ من هذا الجانب من حياته شيئاً كثيراً بل ما أصابه ما أصابه من البلاء والمحنة إلا بسبب بعض الفتاوى، فقد تصدى للفتوى صغيراً، ومارسها دهراً طويلاً، وانهالت عليه الاستفتاءات من جميع النواحي والبلدان من شرق العالم الإسلامي وغربه، وهو يجيب عليها تارة بكلامه، وتارة بكتابه منهجه
(١) الأعلام العلية، ص ٢٨-٢٩.